الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

418

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الفعل أو تركه ، فمن هنا تنسب هذه الأفعال إلينا ونكون مسؤولين عنها . وبتعبير الفلاسفة : لا يوجد في هذا المقام علتان أو خالقان للفعل في عرض واحد . بل هما ممتدتان طولا ، لأن وجود علتين تامتين في عرض واحد لا معنى له ، لكنهما إذا كانا طوليين فلا مانع من ذلك ، ولما كانت أفعالنا تستلزم المقدمات التي وهبها الله لنا ، فيمكن أن ننسب هذه المتستلزمات إليه أيضا ، إضافة إلى نسبتها إلى فاعلها . هذا الكلام أشبه بالذي يريد أن يختبر عماله فيترك لهم الحرية في عملهم واختياراتهم ، ويهئ لهم جميع ما تطلبه عملهم من مقدمات ووسائل ، فطبيعي أن تعتبر أفعالهم منسوبة إلى رب العمل ، ولكن ذلك لا يسلبهم حرية العمل والاختيار ، بل يكونون مسؤولين عن أعمالهم . وسنبحث فكرة الجبر والاختيار - إن شاء الله - بالتفصيل عند تفسير الآيات المرتبطة بالموضوع . * * * 3 3 - ما معنى " بديع " ؟ سبق أن ذكرنا أن " بديع " تعني موجد الشئ بغير سابق وجود ، أي أن الله أوجد السماوات والأرض بغير أن يسبق ذلك وجود مادة أو خطة سابقة . هنا يعترض بعضهم بقوله : كيف يمكن إيجاد شئ من عدم ونحن قد بحثنا هذا في تفسير الآية ( 117 ) من سورة البقرة ، وذكرنا ما ملخصه : إننا عندما نقول إن الله أوجد الأشياء من العدم لا نعني أن المادة الأولية لخلقها هي " العدم " مثلما نقول : إن النجار صنع الكرسي من الخشب ، فهذا بالطبع مستحيل ، لأن " العدم " لا يمكن أن يكون مادة " الوجود " .